الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
304
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأجاب المجرمون بذكر أسباب الزج بهم في النار لأنهم ما ظنوا إلّا ظاهر الاستفهام ، فذكروا أربعة أسباب هي أصول الخطايا وهي : أنهم لم يكونوا من أهل الصلاة فحرموا أنفسهم من التقرب إلى اللّه . وأنهم لم يكونوا من المطعمين المساكين وذلك اعتداء على ضعفاء الناس بمنعهم حقهم في المال . وأنهم كانوا يخوضون خوضهم المعهود الذي لا يعدو عن تأييد الشرك وأذى الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين . وأنهم كذبوا بالجزاء فلم يتطلبوا ما ينجيهم . وهذا كناية عن عدم إيمانهم ، سلكوا بها طريق الإطناب المناسب لمقام التحسر والتلهف على ما فات ، فكأنهم قالوا : لأنا لم نكن من المؤمنين لأن أهل الإيمان اشتهروا بأنهم أهل الصلاة ، وبأنهم في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ، وبأنهم يؤمنون بالآخرة وبيوم الدين ويصدقون الرسل وقد جمعها قوله تعالى في سورة البقرة [ 2 - 4 ] هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . وأصل الخوض الدخول في الماء ، ويستعار كثيرا للمحادثة المتكررة ، وقد اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال واللجاج غير المحمود قال تعالى : ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] وغير ذلك ، وقد جمع الإطلاقين قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ الأنعام : 68 ] . وباعتبار مجموع الأسباب الأربعة في جوابهم فضلا عن معنى الكناية ، لم يكن في الآية ما يدل للقائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة . ويوم الدين : يوم الجزاء والجزاء . و الْيَقِينُ : اسم مصدر يقن كفرح ، إذا علم علما لا شك معه ولا تردد . وإتيانه مستعار لحصوله بعد أن لم يكن حاصلا ، شبه الحصول بعد الانتفاء بالمجيء بعد المغيب . والمعنى : حتى حصل لنا العلم بأن ما كنا نكذب به ثابت ، فقوله : حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ على هذا الوجه غاية لجملة نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ .